الملا فتح الله الكاشاني
410
زبدة التفاسير
وأَنَّ اللَّه سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 61 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّه هُوَ الْحَقُّ وأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِه هُوَ الْباطِلُ وأَنَّ اللَّه هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 62 ) * ( ذلِكَ ) * الأمر ذلك الَّذي قصصنا عليك . روي : أنّ جماعة من مشركي مكّة لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرّم ، فقالوا : إنّ أصحاب محمّد لا يقاتلون في هذا الشهر ، فحملوا عليهم . فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام ، فأبوا ، فأظهر اللَّه المسلمين عليهم ، فنزلت : * ( وَمَنْ عاقَبَ ) * أي : جازى الظالم * ( بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِه ) * بمثل ما ظلمه ، ولم يزد في الاقتصاص . وإنّما سمّى الابتداء بالعقاب - الَّذي هو الجزاء - للمزاوجة ، أو لملابسته له ، من حيث إنّه سبب وذاك مسبّب عنه ، كما يحملون النظير على النظير ، والنقيض على النقيض للملابسة . * ( ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْه ) * على المجازي بمعاودة الظالم على عقوبته * ( لَيَنْصُرَنَّه اللَّه ) * لينصرنّ المظلوم الَّذي بغي عليه لا محالة * ( إِنَّ اللَّه لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) * للمنتصر حيث اتّبع هواه في الانتقام ، وحرّم نفسه عمّا يوجبه العفو من المدح عند اللَّه ، وأعرض عمّا ندب إليه بقوله : * ( ولَمَنْ صَبَرَ وغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) * « 1 » . ولم ينظر إلى قوله : * ( فَمَنْ عَفا وأَصْلَحَ فَأَجْرُه عَلَى اللَّه ) * « 2 » . * ( وأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) * « 3 » . وفيه تعريض بالحثّ على العفو والمغفرة ، فإنّه تعالى مع كمال قدرته وعلوّ شأنه لمّا كان يعفو ويغفر ، فغيره بذلك أولى . وتنبيه على أنّه قادر على العقوبة ، إذ لا يوصف بالعفو إلَّا القادر على ضدّه .
--> ( 1 ، 2 ) الشورى : 43 و 40 . ( 3 ) البقرة : 237 .